ساسي سالم الحاج
27
نقد الخطاب الاستشراقي
ولعل السؤال الرئيس الذي حاول « وات » الإجابة عنه من خلال تعرّضه للعوامل الاقتصادية في الجزيرة العربية قبل الإسلام هو : هل ظهور ديانة جديدة في الحجاز وانتشار العرب في فارس وسوريا وإفريقيا الشمالية مرتبطان بتغيير اقتصادي خطير ؟ ويجيب « وات » عن ذلك السؤال بأنه ليس هناك برهان وثيق على سوء الأحوال الجوية في الصحراء ، فالحياة فيها كانت مقبولة ، ولم تكن بذلك السوء الذي توصف به ، كما أن العرب بعد الفتح الإسلامي يعودون إليها ويقيمون بها ، بجانب وجود بعض الصناعات الصغيرة في الحجاز التي تفي بحاجة سكانه ، الأمر الذي لا يجعل من الحياة قاسية بتلك الصورة التي صوّرها بعض المستشرقين خاصة « توينبي » الذي عزا الفتوحات الإسلامية إلى قحط الصحراء وجوع العرب « 1 » . ويصف الأب « لامانس » الجزيرة العربية بأنها عبارة عن مستطيل غير متوازي الأضلاع ، عظيمة المساحة ، تقع بين الهند والشرق القديم ، وهي غير مضيافة ، ولا يهمنا منها إلّا الحجاز الذي ولد فيه الإسلام وتربّى فيه وانطلق منه إلى أرجاء العالم الفسيح . ودراسة الحجاز أساسية كما يقول « لامانس » لفهم الديانة الإسلامية التي تحمل الطابع الاجتماعي للعربية القديمة « 2 » . فالقرآن يخاطب العرب ويشرّع لهم . وهذا القول من « لامانس » يفهم منه إقليمية الدعوة الإسلامية التي لا يؤمن بعالميتها كما ذهب إلى ذلك معظم المستشرقين . وعندما يصف « لامانس » جوّ الحجاز فإنه يصفه بالقسوة والحرارة ، وندرة نزول الأمطار ، وقد أثر هذا الجوّ القاسي في أبدان البدو النّحيلة ولغتهم المنقطعة . وعند نزول الأمطار في فصل الربيع يتغذى البدو على ألبان ماشيتهم فتتحسن أحوالهم الجسدية النّحيلة ، ويعتمدون على جمالهم في الحل والترحال ، ويأكلون لحومها ، ويشربون ألبانها ، ويتخذون ملابس وأغطية من أوبارها ويتداوون من الملاريا والحمى ببولها « 3 » .
--> ( 1 ) توينبي ، دراسة في التاريخ ، الجزء الثالث ، ص 439 - 453 ، ذكره « وات » في كتابه الآنف بيانه ، ص 20 هامش رقم ( 1 ) . ( 2 ) LAMMENS ( H . ) L'islam , croyances et Institutions , 3 eme edi , IMP . Catholique , BEYROUTH , 1943 , p . 5 . ( 3 ) LAMMENS , op . cit , p . 7 .